فتح الله الصائغ الحلبي
14
رحلة فتح الله الصائغ الحلبي
التي لم يجرؤ أحد من المسافرين على القيام بها ، إلا رجل واحد يدعى لاسكاريس ، ولكنه مات وضاعت معه المعلومات التي جمعها عن أهل البادية خلال عشر سنوات . ثم تحدث لا مرتين عن لاسكاريس ، وكيف التقى بالجنرال بونابارت في جزيرة مالطة ، عند حملته على مصر سنة 1798 ، وكيف تبعه إلى القاهرة إلى أن عاد إلى فرنسا مع بقايا الجيش الفرنسي . وبعد أن خرقت إنجلترا معاهدة أميان ، سنة 1803 ، رأي نابوليون أنه لا يستطيع أن يضرب عدوه في قعر جزيرته ، بسبب تفوق الأسطول البريطاني ، فحاول أن يقضي على اقتصادياته ، واعتقد أنه يصيبه في الصميم إذا تمكن من أن يقطع عليه طريق الهند ، كما بيّناه مفصلا في المقدمة الفرنسية « 4 » . ولأجل الوصول إلى هذا الهدف ، لا بدّ له أوّلا من توطيد العلاقات مع أمراء البادية ومشايخها ، فأرسل لاسكاريس لهذه المهمة . ونجحت مساعي جاسوس نابوليون ، ولكن حين أراد العودة إلى فرنسا ، علم بسقوط الإمبراطور الفرنسي ، فذهب إلى القاهرة مغموما يائسا ، حيث وافاه أجله . فوضع القنصل البريطاني يده على مخلفاته ، وخاصة على مذكراته وأوراقه ، ولا يعلم أحد ما كان مصيرها . وختم لا مرتين حديثه معربا عن أسفه على ضياع هذه الوثائق الهامة . فقال له دليله : لعلها لم تفقد تماما ، لأنه على معرفة جيدة بالشاب الذي كان يرافق لاسكاريس ، ولطالما سمعه يتحدث عن هذه الرحلة إلى البادية ، وعن اليوميات التي كان يكتبها ، بناء على طلب معلمه . وهكذا مكّنت الظروف لا مرتين من شراء مذكرات الصايغ ، وتمت ترجمتها إلى الفرنسية على يده أيضا . ولم ينل كتاب لا مرتين « رحلة إلى الشرق » نجاحا كبيرا لضعف مادته ، فسرعان ما نسيه الناس ، ودخلت معه مذكرات الصايغ في خبايا الزوايا . وكان من المنتظر أن يقبل المستشرقون على رحلة الصايغ ، لما فيها من أخبار طريفة عن أحوال البادية وقبائلها ، ووصف لبعض القرى والبلدان السورية . إلا أن رئيس الجمعية الأسيوية شك في صحتها ، فسكتت عنها مجلة هذه
--> ( 4 ) ( مكرر ) قام المحقق بترجمة هذه الرحلة إلى الفرنسية مع مقدمة إضافية ، وقد تولت نشرها دار غاليمار الباريسية تحت عنوان : Le desert et la gloire .